امساك بمعروف. تفسير: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ... )

قال الله: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ، يعني: معاشر الأزواج أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن من المهر ونحوه، إذا الرجل لا رغبة له في المرأة وطلقها، فليس له أن يقول: أعيدي لي المهر فذلك بما استحل من بُضعها، لا يحل له أخذه، لكن الله -تبارك وتعالى- ذكر حالة قال: إِلَّا أَنْ يَخَافَا، يعني: الزوجان، أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، يعني: القيام: بالحقوق الزوجية، فهنا يمكن للمرأة إذا كانت لا تريد البقاء مع الرجل فهي رأت منه ما لا يُحتمل، أو أنها كرهته، فخافت أن تُضيع حقوقه، ففي هذه الحال يمكن أن تفتدي وأما على قراءة { يُخافا} بالبناء للمفعول فالخائف هنا غير الزوجين؛ أي إلا أن يخشى غيرُهما ألا يقيما حدود الله؛ فالخوف يرجع هنا على ولي الأمر كالقاضي، أو الأمير؛ أو على أهل الزوجين؛ أو على كل من علم بحالهما ممن يمكنه إصلاح الحال: فله أن يتدخل، ويعرض الخلع؛ ولهذا قال تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ}؛ وهذا يؤيد القراءة التي بالبناء للمفعول؛ والخطاب في قوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ} وإن كان ظاهره أنه يعم جميع الأمة فالظاهر أن المراد به من له صلة بالزوجين من قرابة، أو غيرها
ومعنى يَعْفُونَ: والمراد أن تسقط المرأة حقها من المهر فإنه إنما أباح له الرجعة على هذه الشريطة، ومتى راجع بغير معروف، كان عاصيا، والرجعة صحيحة

ويدل على أنّ الثالثة بعد الخلع قوله تعالى في نسق التلاوة: 230 ، عطفا على ما تقدم ذكره في قوله: 229.

21
فصل: قوله تعالى: {فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ} (229):
فإذا ثبت ذلك فالشافعي يقول: إن عجز عن نفقة امرأته فليس يمسكها بمعروف، فيجب عليه أن يسرحها بإحسان، فإن اللّه تعالى إنما خيره بين شيئين لا ثالث لهما، فإذا عجز عن أحدهما تعين الثاني
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان معنى
تفسير قول الله الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
فذكر الوطء شرطا، ويجوز أن يكون وراء هذا الشرط شرط آخر، ويجوز أن لا يكون، مثل قوله:
والمعروفُ هوَ المعروفُ بالشرعِ وبالعرفِ، فالعرفُ إذا كانَ يوافقُ الشرعَ ولا يخالفُه فهوَ معتبرٌ، فالمطلوبُ إمساكٌ بالمعروفِ، وأمَّا الإمساكُ بغير معروفٍ فهو سبب للشَّقاءِ قطعًا، والطريقُ الآخَرُ هو التسريحُ بإحسانٍ، وكثيرٌ منَ الناسِ معَ كلِّ أسف لا يُحققونَ هذه الآيةَ الكريمةَ، فقدْ تَصِلُ المسألةُ إلى الطلاقِ، والطلاقُ أمرٌ مشروعٌ، وقدْ وردَ في ذلكَ حديثٌ -وإنْ تكلَّم في ثبوتِه العلماءُ -يخبرُ بأنَّه أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ، ولكنَّه حلالٌ في النهايةِ، فكمْ منْ آيةٍ تُبينُ مشروعيةَ الطلاقِ عندَ الحاجةِ إليهِ فتكون الثالثة حاصلة بعد الخلع
وتحصل الرجعة أيضًا بوطئها إذا نوى به الرجعة على الصحيح

واختلف العلماء في الخلع هل هو فسخ أم طلاق؟فالذي لا يراه طلاقا يقول:قد قال تعالى:.

3
تفسير: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ... )
وهذا الذي توهمه هؤلاء باطل، فإن قوله: ليس يدل على الثالث، إلا بتقدير عطفه على عدد مذكور قبله
الطلاق مرتان
بم تحصل الرجعة؟: تحصل الرجعة بلفظ: راجعت امرأتي ، ونحو ذلك؛ مثل: رددتها، أمسكتها، أعدتها
القاعدة الحادية والأربعون: إمساكٌ بمعروفٍ أوْ تسريحٌ بإحسانٍ
والفقهاء الذين خالفوا في ذلك يقولون: إنه إذا كرر الطلاق في المرة الثانية لا تستأنف العدة؛ فإذًا هي مطلقة لغير عدة فلا يقع الطلاق؛ لأنه سيكون على خلاف ما أمر الله به؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 4 ؛ يقول العلامة ابن عثيمين: وقد قال شيخنا -أي ابن سعدي- عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه"؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها، أو عقد عليها عقدًا جديدًا؛ وهذا القول هو الراجح؛ وهو الذي أفتي به؛ وهو أنه لا طلاق على طلاق حتى لو قال ألف مرة: أنت طالق؛ فليس إلا مرة واحدة فقط؛ ويدل على هذا قول تعالى: { الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} أي مرة بعد مرة؛ فلا بد أن يقع على زوجة غير مطلقة
فهذا يمنع أخذ شيء منه دون رضاها، إذا كان النشوز منه وهذا غلط، فإن قوله: أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله: ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع، فعاد الخلع إلى الثنتين المقدم ذكرهما
وعلى أن المقصد من الآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم، ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور، فلو كان قوله: هو الثالثة، لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث، إذ لو اقتصر عليه، لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها، إلا بعد زوج، وإنما علم التحريم بقوله: فوجب أن لا يكون معنى قوله: الثالثة، ولو كان قوله: بمعنى الثالثة، كان قوله عقيب ذلك: الرابعة، لأن الفاء للتعقيب، قد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره ثم قال بعد ذلك: فلو كان الخلع طلاقا، لكان الخلع بعد ذكر طلقتين ثالثا، وكان قوله: بعد ذلك، دالا على الطلاق الرابع

فيكون ذلك على وجه لائق من حيث المعاملة، والنفقة والكسوة، والسُكنى، ونحو ذلك، بحسب ما يليق بمثله ومثلها، في زمانهم ومكانهم.

5
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان معنى
وقوله تعالى: يدل على عدد الطلاق الذي يثبت فيه حق الرجعة
تفسير: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ... )
وكذلك يشهد له قوله عليه السلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»
فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان معنى
وأخرجه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنه أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أعيب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضًا! وقد صرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارًا، وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى إليها بالجماع؛ وذلك في قوله تعالى: { وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً